السيد كمال الحيدري

60

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا ، فإنّ حكم الحاكم يكون بالقول . ومن الفعل البشري فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ، وقال تعالى : قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وقال : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً وقال : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ أي افرغوا من أمركم » « 1 » . وقال ابن منظور : « القضاء : الحكم . . . وأصله القطع والفصل . يُقال : قضى يقضي قضاءً فهو قاضٍ ، إذا حكم وفصل . وقضاء الشيء : إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، فيكون بمعنى الخلق » « 2 » . ومن ذلك يتّضح أنّ المعنى اللغوي للقضاء يرجع إلى كلّ من القول والفعل إذا كان متقناً ومحكماً لا يتغيّر ولا يتبدّل . وحين نحلّل هذا المعنى عرفيّاً واعتباريّاً وعقلائيّاً ، كما هو الحال في حكم القاضي فيما لو تنازع اثنان في مال مثلًا ، وكان كلّ منهما يدّعيه لنفسه ، فالمال مردّد بين أن يكون لزيد أو لعمرو ، لكن إذا قضى القاضي بأنّ المال لزيد ، فقد خرج من حالة التردّد إلى حدّ الضرورة والوجوب وتعيّن أحد الجانبين وقطع رابطته بالآخر ، فهذا القضاء بالمعنى العرفي وهو معنى اعتباريّ ، لأنّ الحكم فيه من القضايا الاعتباريّة كما هو واضح . وإذا أخذنا هذا المعنى الاعتباري وطبّقناه على المعنى التكويني ، أي في الحوادث الخارجيّة والأمور التكوينيّة ، وقسناها إلى عللها ، فإنّها قبل تماميّة عللها وشرائطها وارتفاع الموانع التي يتوقّف تحقّقها عليها ، فإنّها في هذه الحالة يكون أمرها مردّداً بين التحقّق واللّاتحقّق فلا يتعيّن لها الثبوت ولا عدمه ، لكن إذا تمّت عللها وشرائطها وارتفاع الموانع ، فإنّها تخرج من حالة التردّد

--> ( 1 ) مفردات غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني : مادّة قضى . ( 2 ) لسان العرب ، ابن منظور : ج 11 ، ص 209 .